الاسواق العالمية

أزمة الشرق الأوسط تكشف هشاشة السيولة الدولية بالدولار

موجة التدافع نحو الدولار في زمن الأزمات

في خضم الاضطرابات التي تجتاح الشرق الأوسط، هرع المستثمرون هذا الأسبوع إلى الدولار الأمريكي بشكل لافت.
مما يذكّر بأن مسيرة التحول التدريجي بعيداً عن النظام المالي المتمحور حول الدولار نحو عالم متعدد الأقطاب قد تكون محفوفة بمخاطر جسيمة.
وفي هذا الإطار، أسهم اتساع رقعة الحرب إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في رفع قيمة الدولار.
إذ يبحث المستثمرون عن الملاذ الأكثر سيولة في العالم.
وعلى صعيد الأسواق، تراجعت مؤشرات الأسهم التي كانت تتصدر الأداء العالمي خلال الشهرين الأولين من العام بشدة؛ فالمؤشر الكوري KOSPI الذي قفز بنسبة 50% خلال فبراير خسر ما يقارب 20% من قيمته في يومين فحسب.
وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت طلبات الاسترداد من صناديق الائتمان الخاص بصورة حادة، فيما قفز الدولار بنسبة تصل إلى 2% في يومين، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية هي الأخرى.

تشريح حركة الأموال في لحظات الذعر

من منظور تحليلي، يرى مات كينج، مؤسس شركة Satori Insights، أن موجة الارتفاع الحالية في الدولار لا صلة لها بإعادة تقييم مفاجئة لآفاق النمو أو التضخم.
فالمسألة في جوهرها تتعلق بـ”تدفقات الأموال”، أي التفكيك المتسارع للمراكز المضاربية التي ضخّت الزبد في كثير من الأسواق خلال الأشهر الأخيرة، بينما يتسابق المستثمرون الآن على توفير السيولة.
وخلاصة القول، على الرغم من كل المخاوف المتعلقة بتآكل قيمة الدولار، يبقى المستثمر في أوقات الأزمات محتاجاً إليه ولا غنى له عنه.

مسيرة طويلة من التراجع التدريجي للدولار

على صعيد الصورة الأشمل، يطرح المشهد الراهن تساؤلاً جوهرياً: ماذا سيحدث في الأزمات المقبلة إن واصل الدولار انحساره التدريجي على المدى البعيد؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن تراجع الدولار عن قمة هيمنته على التجارة العالمية والتمويل الدولي واحتياطيات العملات بدأ منذ قرابة ربع قرن، تحديداً مع ولادة اليورو عام 1999 وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
وفي هذا السياق، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تراجعت إلى 57% اليوم، بعد أن كانت تتجاوز 70% في مطلع الألفية الثالثة.
بيد أنه وبما أن هذا التراجع جرى بصورة سلسة ومتدرجة، فقد واصلت سيولة الدولار نموها، وبنى النظام المالي العالمي حصانة كافية في مواجهة أزمات السيولة، مستفيداً من دروس الصدمتين التاريخيتين عامَي 2008 و2020.

تصدع الركائز الداعمة لهيمنة الدولار

غير أن ثمة تحولاً خطيراً يجري تحت السطح؛ إذ تتآكل اليوم التحالفات الأمريكية والنظام القائم على القواعد الدولية وقوى العولمة التي كانت تضمن في السابق توافر سيولة الدولار لتشحيم عجلة الاقتصاد والأسواق العالمية.
وعلاوة على ذلك، اندلعت نزاعات تجارية وسياسية وعسكرية كبرى خلال العام الماضي، حوّلت المشهد الاستثماري العالمي إلى أرض وعرة بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق بالضبط، يصدر للأستاذ باري إيشنغرين، أستاذ جامعة كاليفورنيا في بيركلي والخبير الدولي المرموق في تدفقات رأس المال والعملات، كتابه الجديد “المال عبر الحدود: العملات العالمية من كروسوس إلى العملات المشفرة” في السابع عشر من مارس الجاري.
ويرصد هذا الكتاب تاريخ المال عبر 2500 عام، ويفسّر الأسباب التي تدفع العملات ذات الأهمية الجهازية إلى الصعود والأفول، ويقدّم تقييماً للدور المستقبلي المنتظر للدولار والعملات المشفرة.

مخاوف متصاعدة من تسارع انحدار الدولار

وعلى الرغم من أن إيشنغرين يُقرّ بأنه لا يوجد حتى الآن منافس حقيقي للدولار بوصفه العملة المهيمنة على احتياطيات النقد الأجنبي والتجارة الدولية والتمويل وتسعير الفواتير، إلا أنه يبدي قلقاً بالغاً من احتمال تسارع وتيرة تراجعه الذي بقي حتى الآن “بطيء الخطى كحركة الأنهار الجليدية”.
ومما يعمّق هذا القلق قوله: “باتت مخاوفي اليوم أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، وليس ثمة بديل واضح للدولار في الأفق، ونأمل جميعاً أن يسير التحول المرتقب بتدرج وسلاسة. غير أننا ندرك اليوم أننا لم نعد نقطن عالماً تجري فيه الأمور بهدوء.”

الدولار عماد النظام المالي العالمي رغم كل شيء

وفيما يخص الأيام الأخيرة التي لم تكن بالتأكيد هادئة، فقد كشفت بجلاء عن حجم احتياج العالم للدولار.
ويكفي هنا أن نُشير إلى أن الدولار يُشكّل أحد طرفَي 89% من جميع معاملات النقد الأجنبي وفق بيانات بنك التسويات الدولية، وهي أعلى نسبة منذ 25 عاماً.
وبالمقارنة، لا يتجاوز اليورو، العملة الأكثر تداولاً بعد الدولار، نسبة 29% من إجمالي تلك المعاملات.
وبالإضافة إلى ذلك، تبلغ حصة الدولار من المدفوعات الدولية نحو 50%، وترتفع إلى 60% عند إدراج المدفوعات داخل منطقة اليورو وفق دراسة للاحتياطي الفيدرالي.
كما تقدَّر نسبة القروض المصرفية الدولية والأجنبية المقوّمة بالدولار بـ55%، فيما تبلغ نسبة الالتزامات المقوّمة به 60%. وحتى في سوق النفط التي يعتقد أنها بدأت تبتعد عن الدولار، يظل نحو 80% من تجارة الخام العالمية مسعّراً بالعملة الأمريكية.

في مفترق طرق حساس من تاريخ النقد الدولي

وفي ختام هذا التحليل، يفصح إيشنغرين عن قناعة راسخة بأن النظام النقدي والمالي المتعدد الأقطاب سيفيد العالم على المدى البعيد، تماماً كما يُفيد التنوع البيئي كوكبَنا.
بيد أنه يحذّر في الوقت نفسه بقوله: “لم نبلغ بعد المرحلة التي يمكن فيها لمصادر السيولة العالمية الأخرى أن تحلّ محل الدولار وتؤدي دوره، لذا نقف اليوم عند نقطة بالغة الحساسية والدقة.”
وفي ظل حروب تجارية وحروب حقيقية تشتعل في آنٍ واحد، يبدو هذا الوصف أقل مما تستوجبه خطورة المرحلة بكثير.

يمكنك الاطلاع على اخر اخبار التداول في موقع توصيات
المصدر: الوكالات

Nayif Alahmad

كاتب ومحلل اقتصادي في موقع توصيات. يترأس قسم التحاليل والتوصيات منذ 5 سنوات, كما ويقوم في اصدار التحاليل اليومية على قناة اليوتيوب الخاصة في موقع توصيات. بدأ مسيرته في هذا المجال من سنة 2015.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى