السلع

حرب إيران تطلق سباقًا عالميًا لبناء احتياطيات النفط

درس مكلف يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية

الدول التي دفعت ثمنًا اقتصاديًا باهظًا خلال حرب إيران تتحرك الآن بسرعة.
هدفها بناء احتياطيات محلية من النفط والغاز لمواجهة الصدمات المستقبلية.
هذه الخطط قد تولّد طلبًا إضافيًا يقترب من نصف مليار برميل في السنوات المقبلة.

كيف صمد العالم أمام الصدمة؟

إغلاق مضيق هرمز شبه الكامل قطع خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية لأكثر من ثلاثة أشهر.
أسعار خام برنت اقتربت من 120 دولار للبرميل. لكن الأمور كانت يمكن أن تكون أسوأ بكثير.
العالم لجأ إلى احتياطياته الاستراتيجية الطارئة لاستيعاب الصدمة.

في بداية الصراع، وافق جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية الاثنان والثلاثون على ضخ احتياطي قياسي بلغ 400 مليون برميل. الولايات المتحدة كانت المساهم الأكبر في هذا الضخ. هذه الخطوة أثبتت جدوى الاستراتيجية التي ولدت بعد حظر النفط العربي عام 1973.
وتلزم أعضاء الوكالة بالاحتفاظ باحتياطيات طارئة تعادل 90 يومًا على الأقل من صافي وارداتهم.

الدرس الصيني: قوة الاستعداد المسبق

الصين قدّمت نموذجًا مختلفًا يستحق الدراسة.
رغم أنها ليست عضوًا كاملًا في وكالة الطاقة الدولية، إلا أنها أمضت سنوات في بناء ما يعتقد أنه أضخم احتياطي استراتيجي في العالم.
الرقم يتجاوز مليار برميل.
هذا الاحتياطي الضخم أتاح لأكبر مستورد للطاقة في العالم تقليص مشترياته من النفط الخام بأكثر من الثلث خلال الحرب.
بكين وفّرت مليارات الدولارات وأبعدت عن نفسها الضائقة الاقتصادية التي عانت منها دول آسيوية أخرى. آسيا تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين نحو 60% من احتياجاتها من الطاقة.

الدول الأكثر تضررًا: ثمن الهشاشة

الألم كان أشد وطأةً في الهند وباكستان وتايلاند ودول أخرى تفتقر إلى احتياطيات محلية كافية.
حكوماتها لجأت إلى دعم الوقود وتقنين الاستهلاك وتقليص ساعات العمل وإجراءات تقشفية أخرى.
الغياب التام لأي وسادة احتياطية جعل هذه الدول مكشوفة تمامًا أمام عواصف السوق.

السباق نحو بناء الاحتياطيات الاستراتيجية

الهند: الحاجة الأكثر إلحاحًا

الهند تحتل موقعًا بالغ الحساسية في هذا الملف.
هي أكثر دول العالم اكتظاظًا بالسكان. وثالث أكبر مستورد للنفط على مستوى العالم. والمستورد الثاني للغاز البترولي المسال المستخدم في الطهي.
وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن تكون الهند المحرك الأكبر لنمو الطلب العالمي على النفط حتى عام 2030.

لكن الهند ليست عضوًا كاملًا في وكالة الطاقة الدولية. ولم تنضم إلى الإفراج المنسق عن الاحتياطيات خلال الحرب. احتياطيها الحالي لا يتجاوز ثمانية أيام من الواردات. بلوغ معيار الـ 90 يومًا يستلزم أكثر من 400 مليون برميل إضافية. التكلفة بحساب 70 دولارًا للبرميل تبلغ نحو 28 مليار دولار.
نيودلهي تتحرك الآن في هذا الاتجاه. طلبت من شركة ONGC بناء احتياطي بـ 1.75 مليون طن أي ما يقارب 13 مليون برميل.
هذا سيرفع طاقتها التخزينية الطارئة بنحو الثلث.

باكستان وأستراليا وسنغافورة تلحق بالركب

باكستان في وضع مماثل. اعتمدت على الشرق الأوسط لتأمين نحو 90% من وارداتها النفطية وغاز LNG قبل الحرب.
وتسعى الآن إلى توسيع طاقتها التخزينية المحلية. بناء احتياطي يعادل 90 يومًا من الواردات يحتاج نحو 35 مليون برميل إضافية.

أستراليا، العضو الوحيد في وكالة الطاقة الدولية الذي فشل باستمرار في الوفاء بمتطلبات الاحتياطي، أعلنت خطة بقيمة 7 مليارات دولار.
الهدف الاحتفاظ باحتياطي يغطي 50 يومًا على الأقل من الوقود.
سنغافورة، أبرز مركز لتكرير النفط في آسيا، تدرس بدورها توسيع تخزينها الاستراتيجي.

twsiat-ai

أوروبا والخليج: المنتجون أيضًا يستعدون

أوروبا تمتلك منظومة تخزين للغاز أثبتت كفاءتها. لكن مع تجاوز الغاز الطبيعي المسال المستورد 40% من إمداداتها الغازية، قد تتجه لبناء تخزين حكومي إضافي. أكثر من 60% من واردات الغاز المسال الأوروبية تأتي من الولايات المتحدة.

حتى الدول المنتجة للنفط باتت تسير في هذا الاتجاه. شركات النفط الوطنية الخليجية تسعى لتوسيع تخزينها خارج المنطقة.
أرامكو السعودية التي تمتلك منشآت تخزين في اليابان وكوريا الجنوبية ومصر وشمال غرب أوروبا أشارت إلى دراسة توسعات إضافية.

تأثير هذا السباق على أسعار النفط

طلب إضافي يقارب مليار برميل

هذه الخطط التخزينية مجتمعةً تستلزم ما يقارب 500 مليون برميل من الخام والمنتجات المكررة.
إلى جانب ذلك، تحتاج المخزونات المستنزفة إلى إعادة ملء.
وكالة الطاقة الدولية تقدّر المسحوب من المخزونات العالمية منذ بداية الحرب بنحو 400 مليون برميل.
السحب مرجّح أن يستمر خلال فصل الصيف حتى بعد إعادة فتح هرمز. بجمع الرقمين، نصل إلى طلب إضافي يقارب مليار برميل.
حتى لو توزّع على عدة سنوات، فإنه سيُوفّر دعمًا سعريًا ملموسًا.

ظروف العرض تُلطّف الأثر على الأسعار

وكالة الطاقة الدولية تتوقع طفرة في الإمدادات العالمية العام المقبل.
إنتاج الشرق الأوسط يتعافى وقد يتجاوز الطلب بأكثر من 4 ملايين برميل يوميًا.
هذا يعني أن زيادة الطلب التخزيني قد لا ترفع الأسعار بشكل حاد. لكن هذه المعادلة ستتغير إذا تعثّر تعافي إمدادات الخليج أو انهار التوازن الهش في المنطقة.

درس لن تنساه الدول المستوردة

التداعيات بعيدة المدى لهذه “حمّى الادخار النفطي” أعمق مما تبدو. عالم يمتلك احتياطيات استراتيجية أضخم سيكون أقدر على تحمّل الصدمات.
دول كالهند قد تُقلّص مشترياتها في أوقات الشُّح، مثلما فعلت الصين، مما يخمد ارتفاعات الأسعار.
الرسالة التي أرستها أزمة هرمز واضحة وصارمة: الاضطرابات “المستحيلة” يمكن أن تحدث، وتمتد لأطول مما يتوقع، وتضرب بأشد قسوة من لا يمتلك وسادة احتياطية.
يمكنك الاطلاع على اخر اخبار التداول في موقع توصيات
المصدر: الوكالات

Nayif Alahmad

كاتب ومحلل اقتصادي في موقع توصيات. يترأس قسم التحاليل والتوصيات منذ 5 سنوات, كما ويقوم في اصدار التحاليل اليومية على قناة اليوتيوب الخاصة في موقع توصيات. بدأ مسيرته في هذا المجال من سنة 2015.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى