تيارات الخليج: هل بدأ ترامب أخيراً يُصغي إلى صوت الخليج؟
نحو العودة إلى الحياة الطبيعية رغم استمرار الحرب
في مشهد يعكس الرغبة الجامحة في التعافي، تتصاعد في دول الخليج العربي نزعة العودة إلى الحياة الطبيعية.
وتتقدم قطر بخطوات أسرع من جيرانها في هذا المسار.
إذ اتخذت الحكومة قرارات حاسمة بإنهاء العمل عن بعد واستئناف الدراسة الجامعية الحضورية.
وتستعد المدارس بدورها لاتباع المسار ذاته قريباً.
وفي المقابل، مدّدت الإمارات التعليم عن بعد حتى الثالث من أبريل على الأقل.
وفي هذا الصدد، برّر ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، هذا التوجه بقوله إن الدوحة “لا تستطيع أن تغلق أبوابها وتنتظر نهاية الحرب إلى أجل غير مسمى”.
وأشار إلى أن المواطنين الذين يعملون من المنزل يرتادون المقاهي والمطاعم دون حوادث، مما “يسوّغ” العودة إلى مكاتب العمل. غير أنه حذّر في الوقت ذاته من أن توقف التنبيهات الأمنية “لا يعني أننا لم نكن هدفاً”.

هل أخطأ ترامب في حساباته مع إيران؟
وفي صلب التحليل السياسي، يطرح التوقف المفاجئ لتهديدات ترامب باستهداف البنية الكهربائية الإيرانية تساؤلاً يتردد في العواصم الخليجية منذ أسابيع: هل أدركت واشنطن أخيراً حدود نفوذها؟ وقد حذّرت دول الخليج ترامب مراراً من أن التصعيد مع إيران سيجرّها إلى صراع لم تسعَ إليه ولا تستطيع السيطرة عليه.
وتصاعدت هذه التحذيرات قبل الأزمة الراهنة بوقت طويل.
ففي يناير، شنّت السعودية وقطر وعمان ومصر حملة دبلوماسية منسّقة لإقناع واشنطن بتجنّب العمل العسكري ضد إيران. وأشارت هذه الدول إلى خطر الانزلاق الإقليمي والانتقام من الأصول الأمريكية والبنية الطاقوية الخليجية.
تحذيرات الخليج لم تسمع حتى الاصطدام بالجدار
وعلى صعيد تسلسل الأحداث الذي يروي قصة مختلفة، حذّرت دول الخليج ترامب صراحةً من أن أي ضربة أمريكية للشبكة الكهربائية الإيرانية ستطلق انتقاماً إيرانياً شرساً يطال محطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة.
وبالفعل، أرسلت إيران تحذيراً عبر وسيط عربي مفاده أن ضرب محطات كهربائها سيفضي إلى “انتقام لا محدود”.
ومع ذلك، مضى ترامب في تهديداته لإيران ما لم تعد فتح هرمز. ورفضت إيران. وظل المضيق مغلقاً. وارتفعت أسعار النفط وهوت الأسهم. وعندها فقط توقف ترامب عن تهديداته.
وفي قراءة تحليلية لهذا التسلسل، قال آلان إير، الدبلوماسي الأمريكي السابق وخبير شؤون إيران: “أخطأ ترامب تماماً في حساباته حين قال إن لديكم 48 ساعة لفتح المضيق.
وحين اتضح أن إيران جادة في استهداف البنية الطاقوية الخليجية، اضطر للتراجع.”
الخليج يدفع الثمن وتساؤلات تتصاعد حول الضامن الأمريكي
وعلى صعيد تداعيات هذه الأزمة على علاقات الخليج بواشنطن، تتراكم مشاعر الإحباط في العواصم الخليجية وإن ظلت في الغالب غير معلنة.
وتشعر هذه الدول بالمرارة من كونها زُجّت في حرب أشعلتها واشنطن وإسرائيل، بينما تدفع الخليج الثمن الأغلى في شكل اضطرابات التجارة والطيران والسياحة وتدفقات الطاقة. وقد أعاد هذا المشهد استحضار ذاكرة مؤلمة من عام 2019، حين أحجمت الولايات المتحدة عن الرد على ضربات المنشآت النفطية السعودية.
وتتجدد التساؤلات اليوم حول جدوى استضافة القواعد الأمريكية والاعتماد المفرط على واشنطن ضامناً أمنياً.
والسؤال المطروح الآن: هل يمثّل توقف ترامب منعطفاً حقيقياً؟ أم أنه مجرد تأجيل تكتيكي في أزمة كشفت عن هشاشة الافتراضات حول النفوذ الأمريكي؟
قطر بين أزمة طاقة وهشاشة مصرفية
وعلى صعيد موازٍ يستأثر باهتمام المحللين الماليين، تعاني قطر من تداعيات اقتصادية متشعبة.
فقد ضربت الضربات الإيرانية طاقتها على إنتاج الغاز الطبيعي المسال، مما قد يُهوي ناتجها المحلي الإجمالي.
وتبدو بنوكها هشة مجدداً.
ويذكر أن الدوحة اضطرت عام 2017 خلال الحصار التجاري المفروض عليها إلى ضخ 40 مليار دولار في قطاعها المصرفي لمواجهة تدفقات رؤوس الأموال الخارجة.
والتساؤل الذي يلحّ اليوم: ماذا سيتعيّن على صندوق الثروة السيادي والبنك المركزي القطري فعله لتخفيف الأعباء المالية هذه المرة؟
الحرب والعواصف الرملية تثقل كاهل المنطقة معاً
وفي مفارقة قاسية تُضيف تحدياً طبيعياً إلى الأزمة الأمنية، تستعد أجزاء من الخليج لمواجهة تهديد من نوع آخر قادم من السماء. إذ تحذّر هيئات الأرصاد من نظام جوي متقلب يتحرك عبر شرق شبه الجزيرة العربية.
ومن المتوقع أن يجلب أمطاراً غزيرة وعواصف رعدية وبرقاً ورياحاً شديدة، مع احتمالات الفيضانات المفاجئة وعواصف الهبوب الرملية الهائلة وربما الأعاصير في حالات نادرة.
وتعدّ الهبوب من أعنف الظواهر الجوية في المنطقة، إذ تشكّل جدراناً رملية ضخمة متحركة ترتفع لآلاف الأقدام وتبتلع أفق المدن في لحظات.
وتشمل المناطق المعرضة لهذه الظروف الإمارات وقطر والبحرين وشرق المملكة العربية السعودية خلال الأيام المقبلة. وقد دعت السلطات الإماراتية المواطنين إلى توخي الحذر على الطرق وأوصت المصلّين في المناطق المتأثرة بأداء صلواتهم في منازلهم.



