أسواق النفط تنفصل عن الواقع
هوّة متسعة بين السوقين الورقية والمادية
في تناقض صارخ يكشف عن عمق الأزمة، تنعكس في سوق النفط اليوم روايتان متباينتان كلياً: فبينما تصوّر أسعار العقود الآجلة للخام مشهداً يوحي بأن الأسواق تتعامل مع حرب إيران بهدوء نسبي، تطلق أسعار الشحنات المادية والمنتجات المكررة إنذارات حمراء تنبئ بأزمة وشيكة.
ولا يحتمل هذا التناقض سوى تفسير واحد:
إحدى هاتين الإشارتين صحيحة والأخرى مضللة، والأرجح أن المشهد الحقيقي هو ما تعكسه أسواق النفط المادية لا الورقية.
وعلى صعيد الأرقام، أنهى خام برنت الآجل تداولات يوم الأربعاء عند 91.98 دولاراً للبرميل بارتفاع 4.8% عن الإغلاق السابق، غير أنه لا يزال يقف دون الذروة اللحظية التي بلغها في التاسع من مارس عند 119.50 دولاراً، أعلى سعر في ما يقارب أربع سنوات.
السوق المادية تصرخ بما لا تجرؤ الأسواق الورقية على الاعتراف به
وفي المقابل، تحكي السوق المادية قصة مغايرة تماماً؛ إذ قفزت العلاوة على الشحنات المادية من خام دبي القياسي للشرق الأوسط فوق مقابلها الورقي إلى ما يقارب 38 دولاراً للبرميل يوم الأربعاء، وهو أعلى مستوى منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ويبدو أن متداولي النفط الورقي يعوّلون على تصريحات الرئيس ترامب وبعض أعضاء إدارته القائلة بأن الحملة ضد إيران تسير على ما يرام وأنه لا تهديد حقيقياً لشحنات النفط عبر مضيق هرمز.
ويبدو أيضاً أن هؤلاء المتداولين يُراهنون على أن إفراج وكالة الطاقة الدولية القياسي عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية سيُسهم في معالجة اضطرابات الإمداد.
الواقع يكذّب التفاؤل الورقي
بيد أن هذه المشكلات لا حل لها في تصريحات السياسيين المنفصلة عن الواقع الميداني، ولا في ضخ احتياطيات لن تصل بالكميات الكافية إلى آسيا حيث تشتد الحاجة إليها.
وطالما ظل مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، فالأوضاع لا يمكن إلا أن تسوء، ووتيرة التدهور ستبدأ في التسارع.
وتتجلى حدة هذه الأزمة في آسيا بشكل خاص، التي تستوعب الحصة الأكبر من الـ18 إلى 20 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات التي كانت تعبر المضيق قبل أن تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير.
سلاسل الإمداد الآسيوية تحت الضغط القصوى
وعلى صعيد المؤشرات الملموسة، بدأ الضغط على سلاسل الإمداد في آسيا يتجلى بوضوح من خلال أسعار الشحنات الفعلية. وتحديداً، ارتفعت علاوة خام دبي النقدي على المقايضات الورقية بمقدار 4.17 دولار لتبلغ 37.87 دولاراً للبرميل يوم الأربعاء، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
وهنا تبرز فارقة جوهرية: ففي عام 2022، لم تشهد الأسواق خسارة فعلية في إمدادات الخام، بل مجرد إعادة توجيه للتدفقات مع تحوّل النفط الروسي نحو الصين والهند.
أما الآن فالوضع مختلف اختلافاً جذرياً، إذ لا يكفي تحويل بعض صادرات الخليج عبر ميناء جدة على البحر الأحمر أو منشآت الإمارات على خليج عُمان لتعويض أثر إغلاق هرمز.

منتجات التكرير في قلب الأزمة الناشئة
والأشد خطورةً أن الأزمة لا تقتصر على إمدادات الخام، بل تمتد لتطال شح المنتجات المكررة الذي يتحوّل بسرعة مقلقة إلى طوارئ حقيقية لدول مستوردة كأستراليا وإندونيسيا ونيوزيلندا.
وفي هذا الإطار، خفّضت المصافي الآسيوية معدلات معالجتها، وبادرت دول كالصين إلى تقييد صادرات الوقود لضمان تلبية احتياجاتها الداخلية.
وتعكس أسعار المنتجات المكررة هذا الواقع بشكل صارخ؛ إذ بلغ الفارق النقدي للديزل في سنغافورة يوم الأربعاء رقماً قياسياً جديداً عند 28.69 دولاراً للبرميل، مقارنةً بـ84 سنتاً فحسب في السابع والعشرين من فبراير، أي اليوم السابق للهجوم على إيران، مما يعني قفزاً بنسبة تفوق ثلاثة آلاف بالمئة في غضون أسبوعين.
وبالمثل، سجّل وقود الطائرات رقماً قياسياً بلغ 225.44 دولاراً للبرميل في الرابع من مارس قبل أن يتراجع إلى 157.12 دولاراً يوم الأربعاء، وهو رقم لا يزال يفوق سعر السابع والعشرين من فبراير البالغ 93.45 دولاراً بنسبة 68%.
وخلاصة القول، إن ما تقوله أسعار الخام والمنتجات المادية في آسيا هو أن سلاسل الإمداد تتصدع، وأن الأوضاع ستزداد سوءاً حتماً مع بدء الدول في تخزين الخام والوقود احتياطاً لمرحلة أشد قسوة.
يمكنك الاطلاع على اخر اخبار التداول في موقع توصيات
المصدر: الوكالات



